حکم التقلید

فقد ذهب بعض أهل العلم إلى القول بأن الاجتهاد فرض عين على كل مسلم، مستدلين بأدلة عامة كقوله تعالى : (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء : 36 ) وما روى غير واحد من الصحابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:( طلب العلم فريضة على كل مسلم) . وهو حديث مختلف في صحته حسنه الإمام السيوطي بمجموعة طرقه ،وصححه الألباني ،وذهب بعض أهل العلم  إلى تضعيفه كالإمام أحمد وغيره، إلا أن معنى الحديث صحيح ثابت، وكذلك استدل أصحاب هذا المذهب بعموم الأدلة الناهية عن التقليد كقوله تعالى : (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ) (البقرة : 166 )

وكذلك قوله تعالى : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) (البقرة : 170 )

وقد ثبت النهي عن التقليد عند الأئمة الأربعة وغيرهم فقد ثبت عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما روى عنه أصحابه أقوال شتى وعبارات متنوعة ، كلها تؤدي إلى شيء واحد ، هو وجوب الأخذ بالحديث، وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة له، منها قوله رحمه الله تعالى : إذا صح الحديث فهو مذهبي. وكذلك: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه. وكذلك: حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي . وثبت عنه أيضاً قوله : إننا بشر نقول القول اليوم ، ونرجع عنه غداً. إلى غير ذلك . وعن الإمام مالك رحمه الله تعالى قال : إنما أنا بشر أخطئ وأصيب ، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه ، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. وقال أيضاً :. ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك ،إلا النبي صلى الله عليه وسلم. وعن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه ، فمهما قلت من قول ، أو أصًّلت من أصل ، فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت ، فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو قولي. وقال رحمه الله تعالى:أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد. وقال أيضاً :.إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ودعوا ما قلت . وفي رواية قال :فاتبعوها ، ولا تلفتوا إلى قول أحد .إذا صح الحديث فهو مذهبي إلى غير ذلك من النقول الكثيرة عنه. وأمّا الإمام أحمد رحمه الله تعالى فقد ثبت عنه قوله:  لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري ؛ وخذ من حيث أخذوا. وفي رواية: لا تقلد دينك أحداً من هؤلاء ، ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به ، ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير. وقال مرة: الإتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ، ثم هو من بعد التابعين مخير . وكل هذه النقولات عن أهل العلم تفيد عدم التقليد والنظر في الأدلة الشرعية ليعبد العابدون ربهم على علم وبصيرة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوماً في كل ما يأمر وينهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال غير واحد من الأئمة كل الناس يؤخذ بكلامه ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الأئمة الأربعة رحمهم الله قد نهوا الناس عن تقليدهم، وذلك هو الواجب عليهم، فقال أبو حنيفة: هذا رأيي فمن جاء برأي خير منه قبلناه، ومالك كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة.. والشافعي كان يقول: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط.. والإمام أحمد كان يقول: لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكاً ولا الشافعي، ولا الثوري وتعلموا كما تعلمنا (مجموع الفتاوى 20/120-122).

ما روي عن ابن مسعودمن قوله : (ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً إن آمن آمن وإن كفر كفر ، فإنه لا أسوة في الشر) ، ومنه ما روي عن ربيعة أنه بكى ، فلما سئل : ما يبكيك ؟ قال : (رياء ظاهر ، وشهوة خفية ، والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم ، ما نهوهم عنه انتهوا ، وما أمروا به ائتمروا) ، ومنها قول عبيد الله بن المعتز : (لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد) .