بسم
الله الرحمن الرحيم
إيضاح
الدلالة في تخريج وتحقيق حديث:((لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة))
نص
الحديث: قال سعيد بن منصور في"سننه" كما في "المحلى" (5/195-
مسألة 633) :
حدثنا
سفيان - هو ابن عيينة - عن جامع بن أبي راشد، عن شقيق بن سلمة قال: قال حذيفة لعبد
الله ابن مسعود: قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا اعتكاف إلا في
المساجد الثلاثة)) أو قال: مسجد جماعة)) .
وأخرجه:
2ـ الطحاوي في "مشكل الآثار": (7/201) مرفوعاً.
3ـ
الطبراني في "الكبير": (9/349-350) موقوفاً.
4ـ
عبد الرزاق الصنعاني: (4/347-348) موقوفاً.
5ـ
ابن أبي شيبة: (4/316) مرفوعاً.
6ـ
البيهقي: (4/316) مرفوعاً.
7ـ
الذهبي في "سير أعلام النبلاء": (15/81) مرفوعاً.
8ـ
زاد الألباني في "قيام رمضان" الطبعة الثانية: الإسماعيلي - وكذا في
"السلسلة الصيحة" رقم (2786) - مرفوعاً.
9ـ
الفاكهي في "أخبار مكة": (2/149) مرفوعاً كما في " الصحيحة"
للألباني رقم (2786) .
مناقشة
الإسناد:
1ـ
شقيق بن سلمة أبو وائل الكوفي:
قال
ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله, وقال وكيع: كان ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير
الحديث.
وقال
ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة. وسأل ابن أبي حاتم أباه: كان يدلس؟ قال: لا.
أنظر "التهذيب" (4/361-363) .
2ـ
جامع بنأبي راشد الكوفي:
قال
أحمد: شيخ ثقة, وقال النسائي: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة ثقة، انظر
" التهذيب" (2/56) .
3ـ
سفيان بن عيينةأبو محمد الكوفي سكن مكة:
قال
الشافعي لولا مالك وسفيان لذهب علمالحجاز. وقال بن سعد: كان ثقة ثبتاً كثير الحديث
حجة. وقال أبو حاتم: ابن عيينة ثقة إمام، وأثبت أصحاب الزهري مالك وابن عيينة.
وقال
الترمذي: سمعت محمداً - هو البخاري - يقول أحفظ من حماد بن زيد. وقال اللالكائي:
هو متستغنٍ عن التزكية لتثبته وإتقانه. أنظر "التهذيب" (4/117-122) .
قلت
فالحديث صحيح لا غبار عليه.
ملاحظة
انظر رسالة "الإنصاف في أحكام الاعتكاف" لعلي بن حسن بن علي بن عبد
الحميد.
شبه
والجواب عنها
الشبهة
الأولى:اختلف
على حذيفة فيه:فرواه شقيق بن سلمة مرفوعاً، وخالفه إبراهيم بن يزيد النخعي، فرواه موقوفاً
من كلام حذيفة، والرد على هذه المخالفة كما يلي:إبراهيم هذا قال فيه علي بن
المديني وأبو حاتم: (لم يلق أحداً من الصحابة) كما في " التهذيب"
(1/178) و "جامع التحصيل" صـ (168) .
قلت
فروايته منقطعة، ورواية شقيق متصلة، ولا يجوز معارضة الصحيح بالضعيف.
تنبيه:رواية
إبراهيم أخرجها ابن أبي شيبة، والصنعاني والطبراني.
الشبهة
الثانية:اختُلف
على ابن عيينة فيه:فرواه عنه عبد الرزاق الصنعاني موقوفاً، كما في
"مصنفه" و "المعجم الكبير للطبراني".
وخالفه
سعيد بن منصور صاحب "السنن"، ومحمود بن آدم المروزي، وهشام بن عمار،
ومحمد بن الفرج، وسعيد بن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي عمر العدني فرووه عنه مرفوعاً.
فنظرت
في تراجم هؤلاء، فإذا سعيد بن منصور في رتبة عبد الرزاق، وربما أرفع، وبقي معنا
محمود بن آدم، وهشام بن عمار، ومحمد بن الفرج، وسعيد بن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي
عمر العدني على المعادلة فصح مرفوعاً والحمد لله رب العالمين وانظر تراجمهم من
التهذيب:
1ـ
سعيد بن منصور: (4/89) .
2ـ
عبد الرزاق بن همام: (6/310) .
3ـ
محمود بن آدم: 10/61) و "الجرح والتعديل" (2/290-291)
4-
هشام بن عمار: (11/51) .
5ـ
محمد بن الفرج القرشي مولاهم البغدادي ثقة من شيوخ مسلم وأبي داود. أنظر
"تحرير تقريب التهذيب". (3/304-305) .
6ـ
سعيد بن عبد الرحمن كما في "الصحيحة" مرفوعاً. وهو سعيد بن عبد الرحمن
المخزومي. انظر "تهذيب التهذيب": (4/55) .
7ـ
محمد بن أبي عمر كما في "الصحيحة" مرفوعاً. أنظر ترجمته من
"التهذيب": (9/518 ـ520) .
تنبيه:قال
بن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": (8/290- 291) في محمود بن آدم هذا:
(وكان ثقة صدوقاً) .
فائدة:في
رواية سعيد: (أو قال: ((مسجد جماعة)) . ولم يذكرها من رواه مرفوعاً، ولا موقوفاً،
نعم جاءت في بعض الطرق عن إبراهيم بن يزيد النخعي، ولكن قد مر بك أن طريق إبراهيم
بن يزيد منقطعة.لكن يشهد لها حديث عائشة الآتي:
نص
حديث عائشة:قال أبو داود في "سننه": (2/836-837 رقم 2473) :
حدثنا
وهب بن بقية، قال أخبرنا خالد، عن عبد الرحمن يعني ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة،
عن عائشة أنها قالت: (السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة، ولا
يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم
ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) .
مناقشة
الإسناد: 1ـ وهب بن بقية الواسطي أبو محمد ثقة من 10 م د س.
2ـ
خالد بن عبد الله الطحان الواسطي ثقة ثبت من 8 ع.
3ـ عبد
الرحمن بن إسحاق بن عبد الله المدني صدوق من 6 بخ م 4. وقد تابعه عقيل وابن جريج.
4ـ
محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني الفقيه الحافظ من 4 ع.
5ـ
عروة بن الزبير المدني ثقة فقيه من 3 ع.
6ـ
عائشة الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين رضي الله عنها .
التخريج:ورواه
الدار القطني: (2/201 رقم 11و 12) عن ابن جريج عن الزهري.
والبيهقي:
(4/315-316) من طريق عقيل، عن الزهري وانظر "الإرواء": (4/139-140) .
الحكم
على الحديث:إسناده حسن بسند أبي داود، والحديث صحيح، فقد تابع عقيل وابن جريج عبد
الرحمن بن إسحاق، ويشهد له حديث حذيفة المذكور في الرسالة.
تنبيه:قول
الصحابي: من السنةكذا وكذا، له حكم الرفع كم هو مقرر في كتب أصول الحديث.
وبهذا
الحديث، يصح الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الجمعة لكنه في المساجد الثلاثة
أكمل.وهو ترجيح شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله.
الشبهة
الثالثة:قول ابن مسعود لحذيفة: لعلك نسيت وحفظوا، وأخطأت وأصابوا.
هو
قول لا حجة فيه، لأنه لم يبرهن على ما يقول، وإنما هو مجرد ترجٍ، ولا يخفى على
العاقل أتخطئة الثقة لا بد لها من بينة واضحة.
فوائد"الأولى:
اختلف الناس في مكان الاعتكاف على أقوال وهي كما يلي:
1ـ
قالت طائفة: لا اعتكاف إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم
2ـ
قالت طائفة: لا اعتكاف إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة فقط.
3.
قالت طائفة: لا اعتكاف إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس.
4ـ
قالت طائفة: لااعتكاف إلا في مصر جامع.
5ـ
قالت طائفة: لا اعتكاف إلا في مسجد جامع.
6ـ
قالت طائفة: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة.
7ـ
قالت طائفة: الاعتكاف جائز في كل مسجد ويعتكف الرجل في مسجد بيته.
ذكر
هذه الأقوال ابن حزم في "المحلى" (5/193-195 مسألة رقم 633) .
الثانية:
قال الشيخ الألباني في "قيام رمضان" - الطبعة الثانية - ص (36) :
(ثم
وقفت على حديث صحيح صريح، يخصص المساجد المذكورة في الآية بالمساجد الثلاثة:
المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:
((لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)) ، وقد قال به من السلف فيما اطلعت: حذيفة بن
اليمان، وسعيد بن المسيب، وعطاء غلا أنه لم يذكر المسجد الأقصى، وقال غيرهم
بالمسجد الجامع مطلقاً، وخالف آخرون فقالوا: ولو في مسجد بيته.
ولا
يخفى أن الأخذ بما وافق الحديث منها هو الذي ينبغي المصير إليه، والله سبحانه
وتعالى أعلم) . انتهى كلام الشيخ الألباني رحمه الله.
الثالثة:
قد صحح هذا الحديث:الذهبي في"سير أعلام النبلاء": (15/18) إذ قال بعد أن
أخرجه بسنده: (صحيح غريب عالٍ) .
والشيخ
الألباني وقد سبق كلامه وفيه:(ثم وقفت على حديث صحيح صريح....)
وكذا
قال في "السلسلة الصحيحة" رقم (2786) : (هذا إسناد صحيح على شرط
الشيخين) .قلت: وهو كما قالا.
تنبيه:أخي
المسلم إذا فاتك الاعتكاف في عام من الأعوام في أحد هذه المساجد الثلاثة، فاعتكف
في أي مسجد تقام فيه الجمعة، وأبواب الخير - والحمد لله - كثيرة ومنها (الرباط)
كما جاء في الحديث ((وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط)) .
أخرجه مسلم (1/219) رقم الحديث (251) عن أبي هريرة.
الرد
على رسالة [دفع الاعتساف عن محل الاعتكاف]
كنت
قد انتهيت من رسالتي في 11 رمضان عام 1408هـ وفي 8 محرم عام 1409 هـ. وقبل أن
أُقدم رسالتي للطبع، وقفت على رسالة لأخينا في الله جاسم بن سليمان الدوسري، فوجدت
فيها أخطاءً، فأحببت أن أنبه على بعضها فأقول:أولاً:
قوله: (محمود بن آدم لم يوثقه غير ابن حبان) هذا قصور، بل قد وثقه ابن أبي حاتم في
"الجرح والتعديل" (8/290-291) فقال: (.... وكان ثقة صدوقاً) .
ثانياً:
قوله: (.... وعبد الرزاق لا يقارن في جودة حفظه وإتقانه بمحمود بن آدم المستور على
أحسن أحواله....) هذا قصور أيضاً، فإن محمود بن آدم ثقة كما كمر، ثم هو لم يتفرد
برفعه، بل قد وافقه على رفعه سعيد بن منصور وهشام بن عمار وغيرهما، كما مر في
الشبهة الثانية فراجعها.
ثالثاً:
قوله: (.... فعلم أن حذيفة إنما قال ذلك اجتهاداً منه، ولم يكن ابن مسعود ملزماً
باجتهاده) .
قلت:
هذا قلب للحقائق، وإلا فالصواب عكسه، ذلك أن حذيفة استند إلى نص فهو متبع له، وابن
مسعود ليس عنده نص فاجتهد، وكان اللازم عليه أن يتبع هذا النص، إذ لا اجتهاد مع
النص.وهناك أخطاءٌ أخرى.الخلاصة وخلاصة البحث
أن الاعتكاف مشروع في كل مسجد تقام فيه الجمعة، وهو في المساجد الثلاثة أكمل.وهذا
اختيار شيخنا العلامة المحدث الفقيه أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي يرحمه
الله تعالى.
نصيحة"احرص
أخي المسلم أن تعتكف مع إخوانك طلبة العلم من أهل السنة والجماعة
الخاتمة"
هذا
والله أسأل أن يرزقنا التمسك بالكتاب والحكمة (السنة) حتى نلقاه عليهما، إنه على
كل شيء قدير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً.وسبحانك اللهم
وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت. أستغفرك وأتوب إليك. الشيخ
محمد بن عبد الوهاب الوصابى)
يجوز الاعتكاف في جميع المساجد
يقول
السائل: ما قولكم فيما ذهب إليه بعض أهل العلم من أن الاعتكاف لا يجوز إلا في
المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال؟
الجواب:
الاعتكاف من السنن الثابتة عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد صح
أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعتكف في رمضان في العشر الأواخر
منه. رواه البخاري ومسلم.
ويشترط
لصحة الاعتكاف أن يكون في المسجد وقد قال الله تعالى: (ولا تُبَاشِرُوهُنَّ
وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) سورة البقرة الآية 187. ولم يعتكف النبي
- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا في المسجد فلا يصح الاعتكاف في البيوت.
واتفق
العلماء على أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال أفضل من
الاعتكاف في غيرها من المساجد وجمهور أهل العلم لا يرون أن الاعتكاف خاص بالمساجد
الثلاثة كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء ونصره الشيخ العلامة ناصر الدين الألباني
ودافع عنه في أكثر من كتاب من كتبه.
قال
الشيخ الألباني: [ثم وقفت على حديث صحيح صريح يخصص المساجد المذكورة في الآية
بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى وهو قوله - صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) وقد قال به من
السلف فيما اطلعت حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب وعطاء إلا أنه لم يذكر المسجد
الأقصى وقال غيرهم بالمسجد الجامع مطلقاً وخالف آخرون فقالوا: ولو في مسجد بيته
ولا يخفى أن الأخذ بما وافق الحديث منها هو الذي ينبغي المصير إليه والله سبحانه
وتعالى أعلم] قيام رمضان للألباني ص 36.
وقال
الشيخ الألباني أيضاً: [واعلم أن العلماء اختلفوا في شرطية المسجد للاعتكاف وصفته
كما تراه مبسوطاً في (المصنفين) المذكورين و (المحلى) وغيرهما وليس في ذلك ما يصح
الاحتجاج به سوى قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) سورة
البقرة الآية 187. وهذا الحديث الصحيح والآية عامة والحديث خاص ومقتضى الأصول أن
يحمل العام على الخاص وعليه فالحديث مخصص للآية ومبين لها وعليه يدل كلام حذيفه
وحديثه والآثار في ذلك مختلفة أيضاً فالأولى الأخذ بما وافق الحديث منها كقول سعيد
بن المسيب: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي. أخرجه ابن أبي شيبة وابن حزم بسند صحيح
عنه] سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد السادس القسم الأول ص670.
وقد
تابع الشيخ الألباني بعض تلاميذه كما جاء في كتاب صفة صوم النبي - صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -في رمضان ص 93: [لا يشرع الاعتكاف إلا في المساجد لقوله
تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) وليست هذه
المساجد على الاطلاق فقد ورد تقييدها في صحيح السنة المشرفة وذلك قوله - صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) ] .
وقد
أطال الشيخ الألباني الكلام على الحديث السابق في الموقع المشار إليه في السلسلة
الصحيحة وحكم على الحديث بالصحة ورأى أنه مخصص لعموم الآية السابقة.
وما
ذهب إليه جمهور أهل العلم من عدم اشتراط المساجد الثلاثة لصحة الاعتكاف هو القول
الراجح بل هو القول الصحيح من حيث الدليل وبيان ذلك فيما يلي:
إن
قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) عام
في كل مسجد ولا يصلح الحديث المذكور سابقاً لتخصيص الآية لأنه يشترط في المخصص من
السنة أن يكون صحيحاً لا شك فيه والحديث المذكور محل خلاف بين المحدثين فمنهم من
صححه ومنهم من ضعفه ومنهم من أوَّله كما سيأتي وما كان حاله كذلك لا يصلح أن يكون
مخصصاً لعموم الكتاب.
قال
الإمام مالك: [الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه لا يكره الاعتكاف في كل مسجد
يجمع فيه ولا أراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها إلا كراهية أن يخرج
المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة أو يدعها فإن كان مسجداً لا يجمع فيه
الجمعة ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه فإني لا أرى بأساً بالاعتكاف
فيه لأن الله تبارك وتعالى قال: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فعمَّ
الله المساجد كلها ولم يخص شيئاً منها قال مالك: فمن هنالك جاز له أن يعتكف في
المساجد التي لا يجمع فيها الجمعة] الموطأ 1/285.
وقال
الإمام البخاري: [باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها لقوله
تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ
حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُءَايَاتِهِ
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ] .
قال
الحافظ ابن حجر: [قوله باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها
أي مشروطية المسجد له من غير تخصيص بمسجد دون مسجد.. واتفق العلماء على مشروطية
المسجد للاعتكاف إلا محمد بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان. وأجاز الحنفية
للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه وفيه قول للشافعي قديم
وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل وذهب
أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات وخصه أبو يوسف
بالواجب منه وأما النفل ففي كل مسجد وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد إلا لمن تلزمه
الجمعة فاستحب له الشافعي في الجامع وشرطه مالك لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة
ويجب بالشروع عند مالك وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقاً. وأومأ إليه
الشافعي في القديم وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة وعطاء بمسجد مكة
والمدينة وابن المسيب بمسجد المدينة] فتح الباري 5/176.
وقال
العيني: [وقالت طائفة الاعتكاف يصح في كل مسجد روي ذلك عن النخعي وأبي سلمة وأبي
ثور وداود وهو قول مالك في الموطأ وهو قول الجمهور والبخاري أيضاً حيث استدل بعموم
الآية في سائر المساجد] عمدة القاري 8/286.
وروى
ابن أبي شيبة بإسناده عن سعيد بن جبير أنه اعتكف في مسجد قومه ومثله عن همام بن
الحارث ومثله عن إبراهيم النخعي وعن أبي الأحوص وعن يحيى بن أبي سلمة وعن عامر
الشعبي.
وروى
ابن أبي شيبة أيضاً بإسناده عن شداد بن الأزمع قال اعتكف رجل في المسجد الأعظم
وضرب خيمته فحصبه الناس فبلغ ذلك ابن مسعود فأرسل إليه رجلاً فكف الناس عنه وحسَّن
ذلك] انظر المصنف 3/9-91. وانظر أيضاً مصنف عبد الرزاق 4/346 -348.
قال
الإمام النووي: [فرع في مذاهب العلماء في مسجد الاعتكاف قد ذكرنا أن مذهبنا اشتراط
المسجد لصحة الاعتكاف وأنه يصح في كل مسجد وبه قال مالك وداود وحكى ابن المنذر عن
سعيد ابن المسيب أنه قال إنه لا يصح إلا في مسجد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ -وما أظن أن هذا يصح عنه وحكى هو وغيره عن حذيفه بن اليمان الصحابي أنه
لا يصح إلا في المساجد الثلاثة المسجد الحرام ومسجد المدينة والأقصى وقال الزهري
والحكم وحماد ولا يصح إلا في الجامع وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحق وأبو ثور يصح في
كل مسجد يصلى فيه الصلوات كلها وتقام فيه الجماعة واحتج لهم بحديث عن جويبر عن
الضحاك عن حذيفة- رضي الله عنه -هـ عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قال: (كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح) رواه الدارقطني وقال: الضحاك لم
يسمع من حذيفه قلت وجويبر ضعيف باتفاق أهل الحديث فهذا الحديث مرسل ضعيف فلا يحتج
به، واحتج أصحابنا بقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي
الْمَسَاجِدِ) ووجه الدلالة من الآية لاشتراط المسجد أنه لو صح الاعتكاف في غير
المسجد لم يخص تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد لأنها منافية للاعتكاف فعلم أن
المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد وإذا ثبت جوازه في المساجد صح في كل
مسجد ولا يقبل تخصيص من خصه ببعضها إلا بدليل ولم يصح في التخصيص شيء صريح]
المجموع 6/483.
وقال
ابن حزم الظاهري: [والاعتكاف جائز في كل مسجد. وبرهان ذلك قوله تعالى: (وَلَا
تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فعمَّ الله تعالى ولم
يخص].
ثم
قال ابن حزم: [أما من حدَّ مسجد المدينة وحده أو مسجد مكة ومسجد المدينة أو
المساجد الثلاثة أو المسجد الجامع فأقوال لا دليل على صحتها فلا معنى لها وهو
تخصيص لقوله تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) . فإن قيل فأين أنتم
عمَّا رويتموه من طريق سعيد بن منصور.: قال حذيفه لعبد الله بن مسعود قد علمت أن
رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد
الثلاثة) أو قال: (مسجد جماعة) ؟ . قلنا: هذا شك من حذيفه أو ممن دونه ولا يقطع
على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشك ولو أنه عليه السلام قال:
(لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) لحفظه الله تعالى علينا ولم يدخل فيه شكاً. فصح
يقيناً أنه عليه السلام لم يقله قط] المحلى 3/428 - 431.
وقال
الشوكاني معلقاً على حديث حذيفه أنه قال لابن مسعود: [لقد علمت أن رسول الله -
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو قال
في مسجد جماعة)
قال
الشوكاني: [الحديث الأول أخرجه ابن أبي شيبة ولكن لم يذكر المرفوع منه واقتصر على
المراجعة التي فيه بين حذيفه وابن مسعود ولفظه: (إن حذيفه جاء إلى عبد الله فقال:
ألا أعجبك من قوم عكوف بين دارك ودار الأشعري يعني المسجد قال عبد الله: فلعلهم
أصابوا وأخطأت) فهذا يدل على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وآله وعلى أن عبد الله يخالفه ويجوز الاعتكاف في كل مسجد ولو
كان ثم حديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما خالفه وأيضاً الشك
الواقع في الحديث مما يضعف الاحتجاج أحد شقيه. وقد استشهد بعضهم لحديث حذيفه بحديث
أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما مرفوعاً بلفظ: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد
مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى) وهو متفق عليه ولكن ليس فيه ما يشهد
لحديث حذيفة لأن أفضلية المساجد الثلاثة واختصاصها بشد الرحال إليها لا تستلزم
اختصاصها بالاعتكاف وقد حكى في الفتح عن حذيفة أن الاعتكاف يختص بالمساجد الثلاثة]
نيل الأوطار 4/301
وقال
العلامة صديق حسن خان: [وإنما اختلفوا هل يجزئ الاعتكاف في كل مسجد؟ أم في الثلاثة
المساجد فقط؟ أو في المسجد الحرام فقط؟ والظاهر أنه يجزئ في كل مسجد قال تعالى: (وَأَنْتُمْ
عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ولا حجة في قول عائشة ولا في قول حذيفه في هذا
الباب] الروضة الندية 2/41.
وقال
العلامة محمد بن صالح العثيمين: [فكل مساجد الدنيا يسن فيها الاعتكاف وليس خاصاً
بالمساجد الثلاثة كما روي ذلك عن حذيفه بن اليمان- رضي الله عنه - أن النبي -
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لااعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) فإن
هذا الحديث ضعيف. ويدل على ضعفه أن ابن مسعود - رضي الله عنه - وهنه حين ذكر له
حذيفه - رضي الله عنه - أن قوماً يعتكفون في مسجد بين بيت حذيفه وبيت ابن مسعود -
رضي الله عنه - فجاء إلى ابن مسعود زائراً له وقال إن قوماً كانوا معتكفين في
المسجد الفلاني فقال له ابن مسعود - رضي الله عنه -: [لعلهم أصابوا فأخطأت وذكروا
فنسيت] فأوهن هذا حكماً ورواية. أما حكماً ففي قوله: [أصابوا فأخطأت] وأما رواية:
[فذكروا ونسيت] والإنسان معرض للنسيان وإن صح هذا الحديث فالمراد به: لا اعتكاف
تام أي أن المساجد الأخرى الاعتكاف فيها دون المساجد الثلاث كما أن الصلاة في
المساجد فيها دون الصلاة في المساجد الثلاثة. ويدل على أنه عام في كل مسجد قوله
تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) . فقوله:
في المساجد (ال) هنا للعموم فلو كان الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة
لقلنا: إن (ال) هنا للعهد الذهني ولكن أين الدليل؟ وإذا لم يقم دليل على أن (ال)
للعهد الذهني فهي للعموم هذا الأصل ثم كيف يكون هذا الحكم في كتاب الله للأمة من
مشارق الأرض ومغاربها ثم نقول لا يصح إلا
في
المساجد الثلاثة فهذا بعيد أن يكون حكم مذكور على سبيل العموم للأمة الإسلامية ثم
نقول: إن هذه العبادة لا تصح إلا في المساجد الثلاثة كالطواف لا يصح إلا في المسجد
الحرام.
فالصواب:
أنه عام في كل مسجد لكن لا شك أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل كما أن الصلاة
في المساجد الثلاثة أفضل] الشرح الممتع على زاد المستقنع 6/504-505.
ويضاف
لما سبق أن اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية قد اختارت أن الاعتكاف يصح في كل مسجد
تقام فيه صلاة الجماعة. انظر فتاوى اللجنة الدائمة 10/410.
وخلاصة
الأمر أن الاعتكاف يصح في كل مسجد تقام فيه صلاة الجماعة وليس مقصوراً على المساجد
الثلاثة التي تشد إليها الرحال. فتاوى د حسام عفانة)